القرطبي

44

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قلت : وهذا حسن فإنه لما ذكر الليل ذكر النهار ، إذ هو قسيمه ، وقد قال الله تعالى : " وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر " [ الفرقان : 62 ] على ما تقدم ( 1 ) . الثانية - قوله تعالى : ( وتبتل إليه تبتيلا ) التبتل : الانقطاع إلى عبادة الله عز وجل ، أي انقطع بعبادتك إليه ، ولا تشرك به غيره . يقال : بتلت الشئ أي قطعته ، ومنه قولهم . طلقها بتة بتلة ، وهذه صدقة بتة بتلة ، أي بائنة منقطعة عن صاحبها ، ، أي قطع ملكه عنها بالكلية ، ومنه مريم البتول لانقطاعها إلى الله تعالى ، ويقال للراهب متبتل ، لانقطاعه عن الناس ، وانفراده بالعبادة ، قال : تضئ الظلام بالعشاء كأنها * منارة ممسى راهب متبتل ( 2 ) وفي الحديث النهي عن التبتل ، وهو الانقطاع عن الناس والجماعات . وقيل : إن أصله عند العرب التفرد ، قاله ابن عرفة . والأول أقوى لما ذكرنا . ويقال : كيف قال : تبتيلا ، ولم يقل تبتلا ؟ قيل له : لان معنى تبتل بتل نفسه ، فجئ به على معناه مراعاة لحق الفواصل . الثالثة - قد مضى في ( المائدة ) ( 3 ) في تفسير قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم " [ المائدة : 87 ] كراهة لمن تبتل وانقطع وسلك سبيل الرهبانية بما فيه كفاية . قال ابن العربي : وأما اليوم وقد مرجت عهود الناس ، وخفت أماناتهم ، واستولى الحرام على الحطام ( 4 ) ، فالعزلة خير من الخلطة ، والعز به أفضل من التأهل ، ولكن معنى الآية : انقطع عن الأوثان والأصنام وعن عبادة غير الله ، وكذلك قال مجاهد : معناه : أخلص له العبادة ، ولم يرد التبتل ، فصار التبتل مأمورا به في القرآن ، منهيا عنه في السنة ، ومتعلق الامر غير متعلق النهي ، فلا يتناقضان ، وإنما بعث ليبين للناس ما نزل إليهم ، فالتبتل المأمور به : الانقطاع إلى الله بإخلاص العبادة ، كما قال تعالى : " وما أمروا إلا ليعبدوا

--> ( 1 ) راجع ج 13 ص 65 . ( 2 ) البيت من معلقة امرى القيس ومعناه : إذا ابتسمت بالليل رأيت لثناياها بريقا وضوءا وإذا برزت في الظلام استنار وجهها حتى يغلب ظلمة الليل . وممسى راهب : أي إمساؤه . ( 3 ) راجع ج 6 ص 261 . ( 4 ) حطام الدنيا : كل ما فيها من مال يفنى ولا يبقى .